Search
  • سمير الحجار

شلة الملقط الأسود

في صيف سنة ٢٠١٤، كنّا قد جلسنا أنا و الخليل جبريل، نقرقع المتة على أغنيتنا التفاؤلية جداً "أروح لمين؟!"، كنّا-جبريل و أنا- نشعر بتغير العاصمة، بعد مرور كذا سنة من الحرب أو الثورة أو الأزمة، هيك هيك أكلينا، كنّا نشعر أن دمشق أصبحت ألوانها أضعف باهتة تميل للرمادي، و كنّا دائماً نحب العودة للماضي القريب و الصورة الأصلية للمدينة ما قبل الحرب أو نهاية العقد الأول من الألفية الثانية، كنّا نحب العودة لمسلسلات تلك السنوات فقط لنرى ما كان يرتدي الشارع الشامي، الأغاني، كنّا نحب أدب الشارع السوري في تلك السنوات الممتدة بين ال٢٠٠٠ و ال٢٠١٠، بل أن حتى الدورات الامتحانية الممتدة بين السنوات نفسها كان ملمسها مختلف، فكنا نتخيل كيف يجلس الطلاب في القاعات الامتحانية بينما يجاوبون على مسألة نواس مرن.

في تلك الليلة كنّا تحت تخدير نوع من أنواع الممنوعات و التي نمارسها بلا خوف اسمها "الحرب"، و كنّا قد خلقنا شلة من الأصدقاء السوريين اسمها "الملقط الأسود"، و ليس هنالك أي معنى للإسم، إنما فقط لإضافة الغموض للشلة، و كانت تتألف الشلة من طلاب جامعة دمشق بالإختصاصات المختلفة، و تخيلنا أنهم كانوا قد دخلوا الجامعة سنة ٢٠٠٤، و طبعاً كنّا أنا و جبريل جزء من الشلة هذه.

و كنّا دائماً نتخيل الرحلات الجامعة التي حُرمنا منها بسبب الأحداث الراهنة، كنّا نتخيل تلك الحافلة الكبيرة، حقيبة مليئة بحليب بباي بنكهة الموز و الشوكولا، شيبس لايت البنفسجي، مندرين لعدم توفر البيبسي في تلك الأيام، بيرة بردى فخر الصناعة السورية، و الكثير من الشباب و الشابات الطيبين و الطيبات الذين لا يعرفون طوائف بعضهم، كنّا نتخيل الدربكة، يستلمها صديقنا فراس و هو طالب تبادل ثقافي من اللبنان، و لكنه فلسطيني الأصل، و نغني "وين عرام الله"، يقول جبريل "وين"، و نرده "عرام الله" و لشدة تحمسه يصرخ "لك وين؟!" نرده "عرام الله"، بينما يشعل الشوفير لفافة دخان "الشرق" و اسم التصدير "أورينت"، يبتسم و يشتمنا ثم يتجه بِنَا إلى حلب لحضور حفلة "كلنا سوا"، و في طريقنا نقلد جميعنا صديقتنا أمل ذات اللهجة الحلبية و يشعل الشوفير لفافة ثانية ثم يبتسم و يشتمنا تقلد أمل اللهجة الشامية و نضحك جميعاً و لكننا نحقد عليها سراً.

نصل إلى حفلة كلنا سوا، بينما نأخذ الصور، تبدأ الفرقة بأغنية "وين عرام الله"، يقوم الجميع بتأشير إلي، يغنون " وين يابو الشامي؟!" بحكم أنني الشامي الوحيد بينهم، ثم أشرح لهم أنها موجهة لأهل بلاد الشام، ثم يطلب مني وليد تعداد دول بلاد الشام، تغني الفرقة "وين؟!" نردها لك عرام الله" لانو هالمرة نحن المتحمسين، ثم نترنح يمين و يسار على صوت النفخيات، ثم تخلع خلود رقصة ستتحدث عنها دفعات السنة إلى يوم تخرجها ، تنتهي الحفلة، نصعد الحافلة بينما نكتشف أن إياد قد جن من الغيرة على خلود و يشعل الشوفير لفافة ثم يبتسم و يشتمنا.

يقاطع حلمنا جبريل ليقول أن بلاها هي إياد جن من الغيرة، لأن شلتنا هذه من النوع الأوبن مايند، و لأن إياد بالذات أمه إيطاليا، ثم لفظ اسم إياد على مهله ثلاث مرات ليقنعني، و اقتنعت، ثم نسمع صوت إشتباكات نارية، أَطْفِئ أم كلثوم، فيسأل "وين؟"، أرده وحدي "عالبيت".


36 views0 comments