Search
  • سمير الحجار

جيم موريسون-الجنون الأخير في باريس

Updated: Apr 19, 2020



"دعني أقول أنني كنت فقط أقيس إطار واقعية هذه الحياة، كنت أشعر بالفضول لمعرفة ما سيحدث، هذا كل ما في الأمر"

هذا ما قاله جيم موريسون مغني فرقة "ذا دورز-The Doors" عندما سُئل عن سبب إستهلاكه للمخدرات.

إستطاع جيم موريسون أن يحفر اسمه في الوعي العام ليس فقط لموسيقاه أو شعره الثوري ذو البصيرة إنما أيضاً بسبب سمعته السيئة الجذابة و أسلوب حياته العبثي و التي تضمنت الكثير من التعاطي و الكحول و الجنس، العنف، الشغب و الإعتقالات بسبب تجاهل عام للنظام، و في الوقت ذاته كان مثقفاً عميقاً و قارئاً طلب من والديه أعمال فريدريك نيتشه الكاملة كهدية تخرج، و كانت كتاباته باطنية و فلسفية تمحورت حول تأملات روح مضطربة لا إتجاه لها تخرج من باب لتفتح غيره.

درس جيم في جامعة كاليفورنيا-لوس أنجلوس UCLA صناعة الأفلام و كان تخصصاً أكاديمياً جديداً نسبياً، و تعرف على زميله راي مانزاريك عازف الكيبورد و بعد إضافة عازف جيتار و إيقاع تم تأسيس "ذا دورز"و إصدار أول ألبوم في عام ١٩٦٧ للفرقة التي إستطاعت أن تكشف عن الجانب الأكثر قتامة من الفكر الإغريقي إلى جيل مازال يحاول الإعتياد على ظاهرة البيتيلمينيا.

بعد سنوات من نجاح الفرقة، بعد ٦ أسطوانات و ٢٠٠ حفل كان جيم يملك العالم و مشهد الروك في الولايات، نابضاً بالحياة و الإبداع ولكنه كان نجماً هشاً يستهلكه عذاب التصالح مع شياطينه.


نقطة التحول-ميامي ١٩6٩:

ضمن أجواء متوترة في أحد حفلات الفرقة في ميامي يثير جيم غضب الجماهير و أراد أن يظهر نجم الروك المثقف نفسه عارياً أمامهم و لم يتم إثبات أي شيء في هذا الصدد إلا أنه تم ملاحقة موريسون قانونياً من قبل العدالة الأمريكية و منع الفرقة من أحياء الحفلات في العديد من الصالات و تعرض جيم إلى التهديد من قبل الأمريكيين المتشددين فطلب منه محاميه أن يحزم و يغادر إلى العاصمة الفرنسية بما أن في ذلك الوقت لم يكن هنالك معاهدة تسليم للشؤون الأخلاقية بين الولايات و فرنسا.

وصل جيم إلى باريس في ربيع عام ١٩٧١ مع عشيقته باميلا و أستقرا في فندق جورجيه الخامس—Georges V، حيث كان يترك الكثير من البقاشيش للعاملين الأمر الذي جعل مدير الفندق متقبلاً فضائح النجم السكران و تصرفاته اللاعقلانية بعد أن يعود من حانته المفضلة Alexandre Bar التي تحولت لاحقاً إلى متجر لوي فيتون حتى المقعد الطويل الذي كان ينام عليه ملئ العنين و هو مخمور تم إزالته، و عندما كان رصيناً غير زاه كان يحب باريس المدينة التي لا يتحدث لغتها، مدينة الكُتاب المفضلين له، شارل بولدير، آرثر رامبو، و البريطاني أوسكار وايلد المنفي مثله و الذي تعرض لتهديدات من قبل المتشددين، مثله، و كان يعيشها كما عاشها هيمينجوي بالتسكوع في المدينة أو إرتياد مكتبة شكسبير و كومباني أو يتجول حول بائعي الكتب الموزعين على الأرصفة، كما كان يحب ساحة فوج-Place des Vosges في الدائرة الرابعة التي إشترى فيكتور هيغو بيتاً فيها تحول لاحقاً إلى متحف، حيث كان يكتب الشعر و يختبئ من عالم، و كان يحب المشهد المعماري في المدينة، و إنتقل مع باميلا للسكن في l7 Rue Beautreillis في حي ماريه الذي سكنه اليهود و فيه تقع كنسهم، و إلى لحظات شعر جيم أن القدوم إلى باريس كان قراراً صائباً ليعود إلى إبداعه الفني الذي هجره، و عاد للعمل على آخر أعماله المسجلة مع بعض الموسيقين الباريسيين و التي وصفها زميله راي ب"رطانة في حالة سكر" ، و تم ضمها مع بعض القصائد المسجلة من عام ١٩٦٨ في ألبوم واحد و بعنوان "أشرطة باريس المفقودة-The Lost Paris Tapes" و رغم تدني جودة التسجيلات إلا أنها أستطاعت أن تحافظ على صوت موريسون المغري و خياله الخفي الذي لم يفقده حتى في بداية إدمانه للكحول.

l7 Rue Beautreillis في حي ماريه
l7 Rue Beautreillis في حي ماريه

النهاية-الليلة الأخيرة في باريس:

لقد مر على وصول جيم إلى باريس عدة أسابيع، فوجد نفسه يعود إلى إدمان الكحول، غريم قديم له، يشرب و يتصيد المارين في الربع اللاتيني من المدينة في محاولات فاشلة لدرء الملل و الوحدة، ثم غادر مع باميلا إلى إسبانيا و المغرب، طنجة، دار البيضاء، و مراكش حيث لبس القفطان و شرب الشاي بالنعنع في ساحة جامع الفنا و ربما شعر بالسلام الداخلي الذي حاول البحث عنه طويلاً، ثم عاد إلى باريس و عاد إلى التخبط في شباك الإدمان.

الجمعة ٢-٧-١٩٧١، يقضي جيم يومه مع صديقه آلان روني (أخرج لاحقاً فيلم عن الفرقة بعنوان "ذا دورز" )، و هو يوم لم يرغب بمناقتشه إلا بعد مرور عشرين عاماً حيث نشر في أحد المجلات الإيطالية بعنوان "كينغ-KING" مقالاً يصف فيه أخر يوم لنجم الروك؛ حوالي الساعة الواحدة ظهراً يتغذيان معاً في Place des Voges، جيم متوتر، مُكتئب و يسعل بإستمرار، و بعد الظهر يتشاركان آخر مشروب في Place dé la Bastille، حيث إنتاب آلان القلق بسبب وجه جيم الذي كان يشبه بوصفه "قناع الموت" ، و مع ذلك يتركه آلان جالساً في تراس المقهى و ينطلق إلى المترو، ثم ينظر له للمرة الأخيرة و يلوح، و لم يراه بعد ذلك مرة أخرى.

-ما الذي حدث ليلة الجمعة؟

الشاهدة الرسمية الوحيدة كانت باميلا، التي وصفت أحداث الليلة الأخيرة في إفادتها لشرطة باريس ففي المساء خرج جيم معها لحضور فيلم Pursued للمخرج راؤل ولش، ثم عادا إلى شقتهم في حي اليهود، ثم تستيقظ في صباح اليوم التالي لتجد جيم قد مات في حوض الحمام.

تم تسجيل السبب على شهادة الوفاة "سكتة قلبية" و كان هذا الموت محزناً بقدر ما هو جدلياً، و حاولوا المقربين من موريسون التكتم عن الخبر لتجنب التغطية الإعلامية التي تعرض لها جيمي هيندركس الذي كان قد توفي قبل أشهر منه، إلا أنه هنالك قصة مقلقة تقول أن تم الإعلان عن وفاة جيم في أحد النوادي الليلة La Bulle قبل معرفة باميلا حيث صرح الدي جي في نفس الليلة عن وفاة جيم و كان قد سمع الخبر من أحد تجار المخدرات الأمر الذي خلق بشكل غريب موجة من الرعب في الصباح التالي في مشهد المخدرات الباريسي و الذي شكك أيضاً في حقيقة تصريحات باميلا للشرطة، و طرح أسئلة حول السبب الحقيقي لوفاة جيم موريسون عن عمر يناهز ٢٧ عاماً ، بذات بعد وفاة باميلا بجرعة زائدة من الهيروين بعد ثلاث سنوات من وفاة شريكها. مهما كانت الظروف الدقيقة لوفاته، أظهرت أسابيعه الأخيرة أن باريس كانت بعيدة عن مكان الخلاص لموريسون، إذاً أين هو هذا المكان، و ما طبيعة الأعمال التي كانت ستقدم من جيم، المزيد من ذا دورز؟ المزيد من الشعر الفلسفي؟

"عندما ما ينتهي كل هذا، أتمنى أن يتم تذكري على أني شاعر " جيم موريسون


154 views1 comment