Search
  • سمير الحجار

كرواتيا: نص بين القصر و الجزيرة


ساحة قصر ديوكلتيانوس

تخيل معي أقرب"بيس-لاين" إلى قلبك يتكرر لساعات دون ملل، لا يمل، لا يمل، عندما تكون لأمس الحاجة للوحدة، أو استماعك إلى أغنيتك المفضلة على الراديو حصراً في يوم مشمس أو رسالة من تلك الفتاة التي لا تراسلك إلا بعد شرب كأس نبيذها الثالث، هكذا يشعر المرء أو أشعر -أنا- عندما أغادر برلين، و لو أن برلين عظيمة فيها كل ما و من أحب ، كل ذكرياتي الحديثة المتسكعة في أرجاء المدينة إلا أنها قد تضيق علي في ضجتها، ظلامها، و صرامة وقتها الذي لا بركة فيه أحياناً..كثيراً، كما أنني أشتاق للمناخ الذي أعتدت عليه، الشمس و عودتي إلى لوني الحنطي، الشوارع الضيقة و العشوائية و التي بكل غرابة يسهل علي حفظها أكثر من نقيضتها المنظمة، نشر الغسيل الأبيض على الأساطيح، رش الأرض بالمياه الباردة المخلوطة ببعض الصابون لتسير حيث تستطيع، و لهذا بدأت رحلتي نحو الجنوب إلى كرواتيا، و تحديداً إلى سبليت ثاني أكبر مدن الدولة في منطقة دلماسية، و كانت الرحلة منظمة من أحد صديقاتي الأمريكيات و شريكها الدنماركي، حيث جمعوا بعض أصدقائهم و هم مجموعة من طلبة الدكتوراة في جامعة كولومبيا النيويوركية و كانوا قد تشاركوا ڤيله في ضواحي المدينة، أما أنا فمكثت في شقة صغيرة جداً في وسط المدينة جدرانها مبطنة بالأرميد الكرواتي الشهير.


لقد مر ثلاثة أيام منذ وصولي هنا، بدأت بحفظ الشوارع و التعرف على بعض المتاجر و استكشاف الشواطئ السرية مع الأصدقاء التي تعانق المدينة، أكثر ما شدني إلى الآن هو قصر ديوكلتيانوس الذي قمت بزيارته في الصباح الباكر لتخلص من السياح و أخص بهذا في المرتبة الأولى السياح البريطانين الذين "يهزون بدنك" أين ما ذهبت في أوروبا لكثرتهم، و في مرتبة الثانية…الألمان طبعاً لكنهم أقل إزعاجاً ربما لأنني أعتدهم فهم كما يقال "بلودي" أي أولاد البلد التي أتيت منها، و في ساحة القصر التي بنيت حوله المدينة تمثال صغير لأبو الهول المصري المنحوت من الجرانيت الأسود البالغ من العمر ٣٥٠٠ سنة..ياللهول، و لكن السؤال هو كيف وصل أبو الهول إلى كرواتيا، بعد البحث تبين أن الدقلديانوسيون قاموا بإخماد "تمرداً"في مصر القديمة- وكان سبباً كافياً-ليعودوا ب ١٢ تمثال لأبو الهول إلى سبلت و لم يتبقى سوا إثنان منهم، و هذا واحد، أما عن بلاط القصر فهو أيضاً مصنوع من الحجر الكرواتي الشهير، و هو شديد الحر إذا ما قبلته الشمس و بارد جداً إذا ما أختبئ في الظلة الأمر الذي ذكرني بشيئين، الأول جدتي التي كانت توبخني عند المشي حافي الأقدام على بلاط تراسها في الظهيرة لسخوتنه أو في المساء لبرودته، ولكن لما؟…"لانو بتسهل تيتا، بتسهل!!"، و ثاني هو الجامع الأموي و دمشق القديمة و كثيرة هي الأمور التي تذكرني بدمشق في جنوب أوروبا بل إنني أحياناً أبحث عن الأشياء عمداً التي أستطيع ربطها بالعاصمة السورية و قد تكون عادة سيئة إلا أننا لا نرتاح للأماكن الجديدة إلا أن تصبح مألوفة، أليس كذلك؟

المدينة القديمة في سبليت

أردنا الذهاب أنا و المجموعة إلى أحد الحانات القريبة من القصر بعد ساعات سباحة طويلة، و دشن أحدنا السهرة بلعبة بسيطة ألا و هي: "أطلب أكثر مشروب تكرهه، و أشربه و أخبرنا لما تكن هذا الكره"، و كان مشروبي الفودكا عدوي اللدود، الذي قمت بكسره مع عصير الأناناس في أحد ليالي صيف دمشق، و أردت العودة إلى المنزل بعد السهر و كانت مهمة شبه مستحيلة بأن تمر ماشياً بين سيارات الضباط المصفوفة و مراقبة عساكرهم لك، هل سيرن إنذار السيارت الحساسة للغاية كما هو الوضع في بلاد؟

ضحكت كثيراً، ضحك البعض، و صفن البعض بحال السوريين الذين نصف قصصهم "تراوما" أو صدمات نفسية و أكملوا سرد قصصهم ثم تركتهم، ودعتهم لأنني كنت قد حضرت لمغامرة في الصباح التالي سأستطرد في الحديث عنها لاحقاً، و في طريق عودتي إلى شقتي كانت المدينة خالية عند دخولي أحد الحارات الضيقة و دخل من نهايتها مجموعة من الرجال في الزي العسكري الروماني الكامل، اي سيف، ترس، و خوذة و أعتقدت لوهلة أنني دخلت في بوابة سفر نسي الخارج منها إغلاقها و عدت إلى الإمبراطورية الرومانية و حروبها يعني كما يقول أحد أصدقائي "تشلينا خرى" و نظرت لهم بدهشة الأمر الذي أدى لتعثر أحدهم في المشي ليقع سيفه أمامي فأنحني أنا "لأستله" من الأرض بينما أنظر لحذاء أحدهم و كان بكل تهكمية اديدس ليتضح أن الزي العسكري للسياح و تصور معهم، فأعيد له السيف و أتمنى لهم ليلة سعيدة، و يتمنون لي المثل و أصداء الضحك تدور في ساحة القصر.


استيقظت في صباح اليوم التالي، شربت قهوتي و تناولت فطوري في حديقة الشقة المطلة على مدخل البناء و مرت سيدة مسنة و في يديها أكياس كثيرة فعرضت عليها مساعدتي في صعود الدرج إلى منزلها و قدمت لي في المقابل الدراق و طبطبت على كتفي و أنا أعشق هذه التفاصيل البسيطة، ثم خرجت بإتجاه مرفئ المدينة أردت أن أبدأ مغامرتي في السفر وحيداً، أجل وحيداً إلى أحد الجزر المجاورة و خبرتي مع السفر وحيداً بدأت بدون تخطيط عندما كنت على طريق البر من سوريا إلى المانيا مروراً بالبلقان حيث ضعت عن مجموعتي في هنجاريا لأسباب معينة فكان علي أن أقطع سلوفينا و النمسا وحيداً إلى أن إلتقيت بهم في أحد القطارات المتجهة إلى ألمانيا، و لكن هذه المرة كانت وجهتي جزيرة براتش فأخذت أول سفينة و أنا أعيش من أجل سفر البحار حيث تتساوى السماء مع الماء و يضيع الأفق بينهما، تلاحق الطيور طريقي و في عمق البحر يتبلور مفهوم للحرية جديد و هنا، و هنا بذات بإمكاني أن أفكر بعدة اسماء في حياتي و تطرح الأسئلة الوجودية ثم تعود للتلاشى مع وضوح اليابسة لتختفي عند الوصول لتكون سراً بيني و بين الأزرقين.

شاطئ من جزيرة براتش مطل على سبليت

بعد خروجي من السفينة ذهبت للسباحة مباشرة ً لتخلص من لهب الشمس، و كان الشاطئ حجري بمياه فاترة نقية بلون فيروزي يشبه شواطئ اليونانية المقدسة، و بعد السباحة كان قد رآني شاب محلي و سألني إن أردت تكسي إلى الشواطئ الأخرى و لم أقل لا و بدأ حديث كلاسيكي بين شوفير التكسي و مستقله، عن الوباء، اللقاح، كرة القدم، برلين، و سوريا، و عند الحديث عن الحرب تمنى أن يعود إعمار كما تم إعمار كرواتيا عدة مرات آخرها بعد حرب الاستقلال الكرواتية التي تضم إلى ملف حروب يوغوسلافيا و أنا للأسف لست ضليع فيها، و لكنه جعلني أرى البلاد بعين أخرى و تركني على أحد الشواطئ المطلة على سبليت و بعد السباحة جلست في أحد مطاعم أنتظر طبقاً من السمك المشوي المحلي بينما أقرأ كتاباً لماركيز بعنوان الجنرال في

متاهته كنت قد اشتريته من معرض الكتاب العربي ، ثم تمشيت قليلاً و انتظرت السفينة العائدة إلى سبلت.


لقد قدمت لي سبلت سردة لم أتوقعها و بكل بساطة أعادة حس المغامرة و التطلع للمجهول و انتظاره ثم تقبله دون محاولة تنظيمه كما إعتدت في برلين التي خسرت فيها عفويتي لأعيش معظم أيامي في المستقبل القريب فأرسمه أو الماضي البعيد لأرممه من غبار النسيان.


في ليلتي الأخيرة في سبلت و بينما كنت أدور المدينة لتوديعها، كان قد صرخ لي مجموعة من الشباب المحليين المخمورين، و استطعت التعرف عليهم إنهم الفرسان الروم، و دعوت نفسي للجلوس معهم و لم يرفضوا، و جلست في الحانة المطلة على ابو الهول المسروق و باحة القصر التي توسطها عازف كونترباص و بيانو، و الناس تدور حولهم ثم سألتهم، هل تريدون أن تلعبوا لعبة؟

أطلبوا أكثر مشروب تكرهونه، و أشربوه و أخبرني؛ لما تكنون هذا الكره؟

 

في سبليت تبنيت قطتان و عدت بهما إلى برلين من اليمين إلى اليسار:


سكر أو سوكي كمان نناديها، و أبولو نسبةً إلى الإله الإغريقي، إله الشمس، الموسيقى، و العناية بالحيوان.



77 views0 comments